• الساعة الآن 11:51 PM
  • 11℃ صنعاء, اليمن
  • -18℃ صنعاء, اليمن

هل تحولت جيبوتي حلقة في الصراع بين مصر وإثيوبيا؟

news-details

محمود أبو بكر

أثارت زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى جيبوتي وتفقده ميناء "دوراله"، بعد أسابيع من توقيع مصر اتفاقات تعاون مع جيبوتي في مجالات تطوير الموانئ والخدمات اللوجيستية والطاقة المتجددة، أسئلة لدى المتابعين والمراقبين لشؤون منطقة القرن الأفريقي، بخاصة أن إثيوبيا لم ترد العام الماضي، على عرض جيبوتي في شأن الاستفادة من ميناء تاجوراء في البحر الأحمر، كحل لأزمة المنفذ البحري الذي تثيره إثيوبيا، مما أسهم في تعكير العلاقات مع دول الجوار، لا سيما بعد مذكرة التفاهم المثيرة للجدل التي وقعت بين أديس أبابا وإقليم صوماليلاند.

وفي بيان صدر الأحد الماضي من الخارجية الإثيوبية، أوضح آبي أحمد أن المحادثات مع رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيلي تركزت على "الديناميكيات الجيوسياسية، والسلام والأمن الإقليميين، وتعزيز التعاون الثنائي"، لا سيما في مجالات التجارة والخدمات اللوجيستية والتنمية، مؤكداً التزاماً مشتركاً بالاستقرار والتكامل الاقتصادي والازدهار المتبادل، وتفقد رئيس الوزراء مجمع ميناء دوراله، البوابة البحرية الرئيسة لإثيوبيا.

 

اهتمام دولي

تأتي هذه الزيارة في ظل تزايد الاهتمام الإقليمي بالخدمات اللوجيستية في البحر الأحمر، وفي الـ27 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، وقعت مصر وجيبوتي ثلاث اتفاقات تعاون خلال زيارة رسمية قام بها نائب رئيس مجلس الوزراء المصري للتنمية الصناعية وزير الصناعة والنقل، كامل الوزير، وفقاً لهيئة موانئ ومناطق جيبوتي الحرة.

ووقعت الاتفاقات في منطقة جيبوتي الدولية للتجارة الحرة DIFTZ بحضور وزير التجهيز والنقل الجيبوتي حسن حامد، وسفير جيبوتي لدى مصر أحمد علي بره، وسفير مصر لدى جيبوتي عبدالرحمن رأفت خطاب، وقبل مراسم التوقيع قام الوفد المصري بزيارات ميدانية إلى محطة دوراله للحاويات، وموقع محطة الطاقة الشمسية المزمع إنشاؤها قرب المحطة، ومنطقة جيبوتي الدولية للتجارة الحرة. وأفادت مصادر إعلامية ودبلوماسية بأن الاتفاقات تشمل تأهيل وتطوير محطة ميناء دوراله للحاويات لإنشاء محطة طاقة شمسية بقدرة 23 ميغاواط مزودة ببطاريات تخزين على مساحة 30 هكتاراً (الهكتار يساوي 10 آلاف متر مربع) في دوراله، بهدف تزويد محطة الحاويات بالطاقة حصرياً.

وجاء التوقيع في أعقاب تقارير تفيد بأن مصر وافقت على تطوير موانئ بحرية استراتيجية في إريتريا وجيبوتي، وهي خطوة ينظر إليها على نطاق واسع على أنها تزيد الضغط على إثيوبيا غير الساحلية في ظل النزاع المستمر على مياه النيل. وتعتمد إثيوبيا، المتاخمة لكل من إريتريا وجيبوتي، اعتماداً كبيراً على مرفأ دوراله لعبور البضائع، وقد عارضت منذ زمن طويل مساعي الدول المجاورة إلى إقامة وجود بري أو عسكري على طول البحر الأحمر.

وعقب هذه التقارير، قالت وزارة الخارجية الإثيوبية إن وزيرة الدولة السفيرة هاديرا أبيرا استقبلت سفير جيبوتي لدى إثيوبيا عبدي محمود إيبي، لإجراء محادثات تركزت على تعزيز التعاون في مجالات التجارة والنقل والخدمات اللوجيستية والطاقة والتكامل الإقليمي.

زيارات متزامنة

وتطرح الزيارتان المصرية والإثيوبية إلى جيبوتي أسئلة عدة تتعلق بما إذا كانت جيبوتي أضحت تمثل الحلقة الجديدة في سلسلة التحالفات القائمة في القرن الأفريقي، بخاصة في ظل الصراع المحتدم بين كل من مصر وإثيوبيا؟

وعلى رغم أن جيبوتي تستضيف نحو ست قواعد عسكرية أجنبية، تعود إلى كل من فرنسا والولايات المتحدة واليابان والصين وإسبانيا وإيطاليا، فإن الاهتمام المصري المستحدث تجاه منطقة القرن الأفريقي، تزامناً مع السعي الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر، قد يرفع درجة التوتر في منطقة تكتسب أهمية جيوسياسية كبيرة لجهة أنها الممر المائي لنحو 15 في المئة من حجم التجارة الدولية.

ورأى مراقبون أن جيبوتي التي تعتمد سياسة منفتحة، وتسمح باستضافة عدد من القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها، باعتبار أن الأمر يوفر لها نحو خمس دخل البلاد، قد تجد نفسها في لحظة ما، كمنطقة تماس لصراع دولي وإقليمي حاد، بخاصة أن الدول الكبرى والإقليمية تسعى من خلال تعزيز وجودها في السواحل الجيبوتية إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وتوسيع نفوذها السياسي والعسكري، إلى جانب الأهداف المعلنة كالتصدي لظاهرة القرصنة ومكافحة الإرهاب وتأمين الطريق التجاري البحري.

مواجهة الوجود المصري

من ناحيته، رأى المحلل السياسي المتخصص في شؤون المنطقة هاشم عبدي أن التوترات القائمة في حوض البحر الأحمر جزء من ديناميات الصراع الدولي لتأمين الممرات المائية، "بخاصة في ظل التحديات الأمنية والعسكرية المتصلة بالصراع في الشرق الأوسط، مما يدفع مصر إلى تعزيز وجودها قرب المداخل الجنوبية للبحر الأحمر، باعتبار أن الأمر يتصل بصورة مباشرة بنشاط قناة السويس في أقصى شمال البحر الأحمر"، وأشار إلى أن "المحاولات الإثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر سواء من خلال سواحل صوماليلاند أو السواحل الإريترية أو من خلال استئجار مناطق ساحلية في جيبوتي لإقامة قواعد ارتكاز عسكري، تمثل تحدياً أمنياً وسياسياً وعسكرياً للقاهرة"، وأضاف "أن الحكومة الجيبوتية وعلى خلاف الدول الأفريقية الأخرى المطلة على خليج عدن والبحر الأحمر، تعتمد سياسة منفتحة في ما يخص إقامة قواعد عسكرية أجنبية، لا سيما أنها ترتبط بمعاهدات عسكرية مع قوى عظمى مثل الولايات المتحدة وفرنسا إضافة إلى الصين واليابان وإسبانيا وإيطاليا مما يقلل من الأخطار المتعلقة بتأمين وجودها السياسي والعسكري"، وأوضح عبدي أن المقاربة الجيبوتية مغايرة تماماً لتوجهات الدول الأفريقية التي كثيراً ما أعربت عن مخاوفها من الوجود العسكري الأجنبي المتعاظم في هذه المنطقة المهمة والاستراتيجية للتجارة الدولية، ورجح أن التوجه الإثيوبي نحو السواحل الجيبوتية وتحديداً ميناء دوراله، يأتي في إطار محاصرة التوجه المصري الجديد، لافتاً إلى أن أديس أبابا التي أعلنت عزمها على الوصول إلى البحر الأحمر بشتى الطرق، وأطلقت حملة دبلوماسية كبيرة خلال العامين الماضين، معتبرة أن المسألة بالنسبة إليها "قضية وجودية" وأن لها "حقوقاً تاريخية" في الموانئ الإريترية، "يبدو أنها أجرت نوعاً من التعديل على خطتها، لتتجه نحو جيبوتي، بخاصة بعد زيارة نائب رئيس الوزراء المصري ميناء دوراله الجيبوتي".

غياب الرؤية

ونوه المحلل السياسي المتخصص في شؤون المنطقة بأن أديس أبابا التي سبق ووقعت مذكرة تفاهم مع إقليم صوماليلاند، للحصول على منافذ بحرية في خليج عدن مقابل الاعتراف باستقلال الإقليم، "وقعت في مفاضلة عصية، بين المضي قدماً في تنفيذ المذكرة التي واجهت انتقادات دولية وإقليمية كبيرة، وبين الالتزامات التي يفرضها الاتحاد الأفريقي باعتبارها دولة المقر، بخاصة أن مجلس الأمن والسلم الأفريقي أصدر قرارات مهمة في شأن الحفاظ على وحدة الأراضي الصومالية، ومن ثم فإن الحصول على منفذ بحري في السواحل الصومالية، من خلال تنفيذ شروط المذكرة الموقعة مع هرجيسا (عاصمة صوماليلاند) بدا مساراً عسيراً بالنسبة إليها"، وقدر عبدي أن أديس أبابا تفتقد رؤية واضحة ومحددة لمسار الوصول إلى البحر الأحمر، إذ إنها، وخلال عامين، تأرجحت بين تبني "الحقوق التاريخية" في السواحل الإريترية، وأحقيتها في توقيع مذكرة التفاهم مع إقليم انفصالي في الصومال، وبين السعي نحو السواحل الجيبوتية، على رغم أنها سبق ورفضت العرض الجيبوتي للاستفادة من ميناء تاجوراء.

تكثير المسارات

بدوره رأى المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيداون "أن تعدد المسارات التفاوضية لمشروع تأمين وصول إثيوبيا السلمي للبحر الأحمر يعد ميزة مهمة"، مؤكداً أن الأمر يشير إلى انفتاح أديس أيابا على مناقشة الاحتمالات الممكنة كافة، لا سيما أنها أكدت منذ البدء، أنها في حاجة إلى منفذ بحري عبر الوسائل السلمية، سواء من خلال السواحل الإريترية أو الجيبوتية أو الصومالية، موضحاً أن تعدد المسارات لا يعني بالضرورة عدم وضوح الرؤية بقدر ما يشير إلى مرونة الموقف الإثيوبي تجاه كل الاحتمالات التي تحقق مصالح الشعب الإثيوبي الذي تجاوز 125 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يصل إلى 210 ملايين بحلول عام 2050، مما يضاعف جهود إثيوبيا لإيجاد حلول مرنة خلال الفترة المقبلة. ونفى غيداون "أن تكون حكومة بلاده تسعى إلى محاصرة الوجود المصري في جيبوتي"، لكنه أقر أن ثمة مخاوف مشروعة من النفوذ المصري في القرن الأفريقي، بخاصة بعد إقامة التحالف الثلاثي بين مصر والصومال وإريتريا العام الماضي، فضلاً عن توقيع القاهرة مذكرة دفاع مشترك مع مقديشو، والاتفاق على نشر وحدات عسكرية مصرية على الحدود المشتركة بين الصومال وإثيوبيا.

سياسة براغماتية

أضاف المتخصص في الشأن الإثيوبي أن أديس أبابا تعتمد منذ عام 1998 على الموانئ الجيبوتية كمنفذ لتجارتها الخارجية، ومن ثم فإن من الطبيعي أن يثير الوجود المصري الجديد في جيبوتي قلقها، بخاصة أن المواقف السلبية التي ظلت تعلنها القاهرة في شأن مشروع إثيوبيا للوصول إلى البحر، تعزز تلك المخاوف، فضلاً عن التحالف المعلن بين القاهرة وأسمرة، ونفى أن تكون جيبوتي حلقة جديدة في الصراع المصري - الإثيوبي، "بخاصة أنها لم تعلن انحيازها لأي طرف، فضلاً عن أن علاقاتها المتميزة مع إثيوبيا، فضلاً عن انفتاحها على التعاطي مع القوى الدولية كافة، سياسياً وعسكرياً، يمنح ضمانة لعدم تحولها إلى منطقة صراع، إذ إنها تستضيف قواعد عسكرية أميركية في الوقت ذاته الذي تستضيف فيه قواعد صينية"، ولفت إلى أن معظم المخاوف الإثيوبية تتعلق بالصومال وإريتريا، وليس بجيبوتي التي تتمتع بعلاقات متقدمة مع إثيوبيا، بخاصة أنها تجني نحو 3 مليارات دولار سنوياً من التجارة الخارجية الإثيوبية.

شارك الخبر: