كاميليا انتخابي فرد
مر أكثر من أسبوعين على الانتفاضة الوطنية للإيرانيين، وفي ظل الصمت المفروض من قبل السلطة، فإن التقارير والأخبار الواردة ترسم صورة واسعة الأبعاد لكارثة وطنية كبرى.
إن القمع للمتظاهرين، لا يدل على اقتدار وقوة، بل يعبر عن مدى الخوف وهشاشة وضع النظام. وهو ليس علامة اقتدار، لأنه لو كان ثمة اقتدار حقاً، لتجلى رمزياً باستقالة رئيس غير كفء، أو بعزل المرشد من قبل مجلس الخبراء الصوري.
لقد مضى النظام الإيراني منذ سنوات طويلة في طريقه، فيما مضى الشعب في طريق آخر. وفي الاحتجاجات الواسعة السابقة، طرحت مطالب متنوعة، قابلها النظام جميعاً بالقمع والرصاص.
مرات عديدة جرى استدراج الناس إلى صناديق الاقتراع بالخداع والوعود. منح الشعب النظام فرصة الإصلاح، لكن النظام أراد من الناس مجرد تصديق يمنحه شرعية أمام كاميرات الإعلام الأجنبية. أما المطالب الأخرى بإجراء انتخابات حرة واستفتاء على الدستور، فقد قوبلت بالرصاص والهراوات، وتجلى غضب الأمة في صمت ذي دلالة خلال آخر انتخابات رئاسية.
في الانتخابات الأخيرة التي أجريت بعد الوفاة الغامضة والمثيرة للشكوك لإبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان، شكل غياب المشاركة الشعبية أكبر استفتاء وطني شامل على رفض حكم النظام.
خلال العام الماضي، بدت مؤشرات واضحة على تعافي جراح المجتمع بعد القمع العنيف ضد حركة مهسا، وعلى جاهزية لانطلاق انتفاضة وطنية شاملة جديدة. وقد ظهر ذلك حين تجمع الناس في أكبر عيد وطني في البلاد، أي عيد النوروز، في أضرحة الرموز الوطنية مثل قوروش، وحافظ، وخيام، وسعدي، ليغرسوا وطنيتهم وتعلقهم بهذه الرموز على الأرض.
وبحسب الإحصاءات الرسمية لوزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، كانت أكثر المواقع زيارة خلال 13 يوماً من عطلة النوروز السابق، ضريح قوروش وتخت جمشيد. وإذ رأى النظام الحضور الشعبي غير المسبوق في هذه المواقع، بما حمله من نفس مناهض للدعاية الاسلامية الرسمية، أقدم على إغلاقها. كذلك أغلق ضريح خيام في نيسابور ومقبرة الفردوسي في منتصف عطلة النوروز.
وأحيا الإيرانيون أيضاً أطول ليلة في السنة التي يطلقون عليها "ليلة يلدا"، في آخر يوم من الخريف، وكأنهم نصبوا خيمة حرب في مواجهة نظام يهتم بالنواح والشعائر الدينية. بألوان الأحمر والأخضر، رمزي الاحتفاء بهذه الليلة، واجهوا الظلام، وكانت رسائل التهنئة بين الإيرانيين مفعمة بالأمل في ذهاب الظلام (كناية عن نظام الجمهورية الإسلامية) وقدوم النور (بمعنى الحرية).
على مدى 47 عاماً، سعى النظام بلا هوادة إلى محو الإرث الوطني للإيرانيين، ولا سيما الإرث الإمبراطوري العريق الذي يمتد لأكثر من 2500 عام. ومنذ سنوات، يحتفظ كثيرون في بيوتهم بصور الشاه وزوجته فرح. وقد دخل العلم الوطني الإيراني، علم الأسد والشمس، إلى معظم البيوت. وحين اندلعت الاحتجاجات في سوق طهران على غلاء العملة والتضخم الحاد، فإن ما كان قد قرب الإيرانيين من بعضهم في صمت خلال العام الماضي أي النزعة الوطنية قادهم تلقائياً إلى الشوارع لإسقاط النظام.
اليوم، وأنا أكتب هذه المقالة، يسود في إيران وضع يشبه الأحكام العرفية. ففي عموم البلاد، وبعد القمع والقتل الواسع للمتظاهرين، نشرت قوات مسلحة في المدن الكبرى، تفتش السيارات والمارة في محاولة للسيطرة على الأوضاع المضطربة. تغلق المتاجر والمراكز العامة بعد الساعة السادسة مساء، وتتواصل الاعتقالات وانتزاع الاعترافات القسرية من المتظاهرين.
وبحسب منظمات حقوقية وأطباء في المستشفيات والطب الشرعي، قتل أكثر من 12 ألف شخص في احتجاجات الأسبوعين الأخيرين. رقم لا يحدث إلا في انقلاب عسكري. وقد تمكن النظام، عبر إغلاق وسائل الاتصال الجماعي من الإنترنت إلى شبكات الاتصالات، من قمع الأمة بالقوة العسكرية وإعادتها إلى البيوت.
كان شعار "يحيا الملك" خنجراً أحدث جرحاً عميقاً في جسد النظام رمز وحد الإيرانيين، على اختلاف أديانهم وأعراقهم، منذ 2500 عام.
ما تبقى من النظام الإيراني على الأرض ليس سوى جسد سيتداعى مع الزمن. ويرد في العهد القديم وفي القرآن رواية من الإسرائيليات مفادها أنه لما حان موعد وفاة سليمان، ما دلهم على موته إلا دابة الأرض فظل جسده سنة متكئاً على العصا حتى سقط.
إن النظام الإيراني، في عام 2026، يقف في الموقع ذاته تماماً. من الخارج، تبدو عصاه الظاهرية قائمة ببنية أمنية، وإعلام رسمي، وقوات مسلحة، وادعاء شرعية إلهية وأيديولوجية. لكن منذ سنوات، ينخر النمل الأبيض المتعدد قواعده من الداخل.
يشبه النظام الإيراني عصا سليمان. هذا الهيكل الظاهري يبدو قائماً يصدر الأوامر ويقمع ويرسم الخطوط الحمراء، لكن النخر قد فعل فعله ولا يزال. وكل يوم يمضي، تتآكل أكثر ركائز الحكم والمجتمع والشرعية. وعندما تتآكل العصا تماماً وتنكسر سواء بصدمة خارجية أو بتراكم ضغط داخلي لن تكون هناك حاجة إلى قوة عظيمة سيكون مجرد سقوط جسد مات منذ زمن، لكن المحيطين به وحتى جزءاً من النظام نفسه ما زالوا يظنونه حياً.
تظهر هذه الاستعارة من العهد القديم أن نهاية أي نظام لا تكون بالضرورة عبر هجوم خارجي أو ثورة مفاجئة، بل غالباً عبر تآكل تدريجي من الداخل حين لا يعود أحد حتى الحراس أنفسهم قادراً على إنكار أن ما كان يبدو قائماً لم يكن سوى مظهر أجوف.
نقلا عن اندبندنت الفارسية