• الساعة الآن 06:35 PM
  • 0℃ صنعاء, اليمن
  • -18℃ صنعاء, اليمن

إسرائيل تكرر أخطاء الحروب الأميركية

news-details

في العقدين الماضيين، لم يعد مصطلح "تغيير النظام" شائع الاستخدام، وعلى رغم أن هذا هو بالضبط ما تسعى إليه إسرائيل، إلا أن الإسرائيليين لم يستعملوا هذا المصطلح لوصف حربهم في غزة. وفي الحقيقة، تهدف العملية العسكرية في القطاع إلى تدمير "حماس" ككيان سياسي وعسكري والقضاء على حكومة الأمر الواقع التي أشرفت عليها الحركة منذ ما يقرب من عشرين عاماً.

إن الحملة الإسرائيلية هي رد فعل مبرر على هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) المروعة التي قتل فيها الإرهابيون بقيادة "حماس" نحو 1200 إسرائيلي، واحتجزوا نحو 250 رهينة، وتسببوا في صدمة شديدة للشعب الإسرائيلي. وفي أعقاب الهجمات، استنتج القادة الإسرائيليون، على نحو محق، أنه من غير المقبول أن تستمر "حماس" في إدارة غزة، تماماً مثلما قرر القادة الأميركيون بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) في عام 2001 أنه لم يعد بإمكانهم قبول الوضع القائم في أفغانستان حيث كانت حركة "طالبان" تؤوي تنظيم "القاعدة"، وأنه لم يكن أمامهم من خيار سوى تغيير النظام هناك.

بطبيعة الحال، لم تكن أفغانستان المكان الوحيد في الشرق الأوسط الكبير الذي سعت فيه الولايات المتحدة إلى تغيير النظام بعد أحداث 11 سبتمبر. ففي السنوات التي تلت الهجمات، أطاحت أيضاً التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة بالنظامين السائدين في العراق وليبيا، وقدمت المساعدة (وإن كان بشكل محدود وغير كاف) لقوى المعارضة السورية التي تسعى إلى الإطاحة بالديكتاتور بشار الأسد. وكانت تلك تجارب مريرة بالنسبة إلى واشنطن، إذ كانت دموية ومكلفة ومذلة. والجدير بالذكر أن أهم تلك الحملات العسكرية، أي حملتا أفغانستان والعراق، قد تأثرتا بأخطاء استراتيجية متعددة فادحة وببعض النجاحات المهمة.

واليوم، تعيد إسرائيل ارتكاب عدد من هذه الأخطاء الجسيمة نفسها، بما في ذلك بعض تلك التي ارتكبتها الولايات المتحدة في السنوات الأولى من حرب العراق. ومثلما فعلت الولايات المتحدة في العراق عام 2003، بدأت إسرائيل حربها من دون خطة لإنشاء هيكل حكم يحل مكان "حماس"، ولم تظهر أي خطة واضحة حتى بعد أشهر من القتال. وعلى غرار المراحل الأولى من حروب واشنطن بعد 11 سبتمبر، تحركت إسرائيل بشكل حاسم وبتكلفة بشرية كبيرة من أجل تطهير الأراضي من الإرهابيين، لتراهم يعيدون تنظيم صفوفهم بمجرد مغادرة القوات، وهو نهج خاطئ أطلق عليه ضباط الجيش الأميركي اسم "تطهير ومغادرة" clear and leave. وبسبب الخسائر في صفوف المدنيين الناجمة عن العمليات الإسرائيلية، تعرضت إسرائيل لانتقادات دولية أشد بكثير مما تعرضت له الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق.

ولكن مثلما كررت إسرائيل أخطاء الولايات المتحدة، يمكنها أيضاً أن تستخلص دروساً من بعض النجاحات التي حققتها الحملات الأميركية، وبخاصة تلك المتعلقة باستراتيجية "الزيادة المفاجئة" [أي زيادة عدد القوات الأميركية] التي تبنتها واشنطن في العراق ابتداءً من عام 2007. دائماً ما يكون للتشبيهات قيود، ولا تستطيع تجربة الولايات المتحدة أن توفر كل الإجابات التي يحتاج إليها القادة الإسرائيليون في غزة، بيد أنها قد تطرح الأسئلة الصحيحة وتقدم وجهات نظر قيمة حول الخيارات التي تنتظرهم.

التطهير والسيطرة

حرب المدن هي حرب صعبة جداً وغالباً ما تكون دموية للغاية. في الواقع، إن الجهود الناجحة التي بذلتها الولايات المتحدة وحلفاؤها من أجل استئصال تنظيم "القاعدة" والمتمردين السنة والميليشيات الشيعية في بغداد والبصرة والفلوجة والرمادي وغيرها من المدن العراقية خلال اعتمادها استراتيجية "الزيادة المفاجئة"، فضلاً عن العمليات الرامية إلى القضاء على تنظيم "داعش" في الموصل وبعد بضع سنوات في الرقة، قد أدت حتماً إلى سقوط ضحايا من المدنيين وتدمير كبير للبنية التحتية، على رغم الجهود الأميركية الكبيرة للحد من الاثنين.

تعتبر العملية العسكرية في غزة أكثر صعوبة بكثير مقارنة بكل تلك العمليات السابقة. فكثافة القطاع السكانية أعلى، وتتمتع "حماس" بحرية التنقل عبر نحو 550 كيلومتراً من الأنفاق تحت الأرض، إضافة إلى أن قادة الحركة ومقاتليها يستخدمون المدنيين كدروع بشرية. وبحسب ما ورد، فككت القوات الإسرائيلية غالبية الألوية والكتائب المنظمة التابعة لـ"حماس" لكن بقي هناك عدة آلاف من المقاتلين. ولا تزال 120 رهينة تقريباً في عداد المفقودين وقد يكونون موجودين ربما في نفس المنطقة التي يدور فيها القتال.

ومن المستبعد أن تنجح إسرائيل في تحقيق هدفها المتمثل في تدمير "حماس" من خلال القوة العسكرية البحتة إلا إذا أصبحت الحركة غير قادرة على إنجاز مهمتها، ومُنعت من إعادة تنظيم صفوفها. وقد تعلمت الولايات المتحدة من تجاربها في العراق وأماكن أخرى أن النقطة الثانية بالغة الأهمية. في الواقع، إن قتل الإرهابيين والمتمردين واعتقالهم ليس كافياً؛ والمفتاح لتعزيز المكاسب الأمنية ووقف تجنيد أعداء جدد يكمن في السيطرة على الأراضي، وحماية المدنيين، وتوفير الحكم والخدمات الأساسية. فهذا النهج يقلل من احتمالية أن يجد المقاتلون الدعم بين السكان الذي قد يسمح لهم بإعادة تشكيل صفوفهم.

وفي غزة، شاركت إسرائيل في عمليات تطهير متعددة، لكنها لم تحافظ على وجود عسكري دائم يمكنها من السيطرة على المنطقة. وقد ملأ الفراغ الناجم عن ذلك المجرمون والمتمردون وكتائب "حماس" التي أعادت تنظيم صفوفها. وهذا يشبه جزءاً كبيراً من تجربة الولايات المتحدة في العراق من عام 2003 إلى عام 2006. فخلال تلك الفترة، تمركزت القوات الأميركية إلى حد كبير في قواعد العمليات الأمامية التي أطلقت منها دوريات ومهاماً لمحاربة جماعات مثل تنظيم "القاعدة" في العراق ومختلف الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. لكن العدو غالباً ما كان يستعيد السيطرة على الأراضي بمجرد رحيل القوات الأميركية، مما استلزم بذل جهود متكررة لإعادة تطهير المناطق ذاتها. وأدى هذا النهج في بعض الأحيان إلى ظهور عدد من المتمردين يفوق عدد الذين قُضي عليهم في ساحة المعركة.

يجب على القادة أن يتساءلوا عما إذا كان عدد المقاتلين الأعداء الذين قد تقضي عليهم عملية معينة أكبر من عدد المقاتلين الأعداء الذين قد تولدهم هذه العملية

وفي عام 2007، اتبعت واشنطن تغييراً كبيراً في استراتيجيتها. فخلال "الزيادة المفاجئة" انتقل المقاتلون الأميركيون خارج القواعد الرئيسة، وتمركزوا عوضاً عن ذلك في مواقع أصغر داخل المجتمعات المهمة وحولها، بما في ذلك 77 موقعاً إضافياً في منطقة بغداد الكبرى وحدها. وبدأت القوات الأميركية في بذل جهد أكبر للتمييز بين المتمردين الذين لا يمكن التفاوض معهم وبين عامة السكان، وتعهدت بجعل حياة المدنيين أفضل وأكثر أماناً. وأصبح من الواضح أن الطريقة الوحيدة لتوفير الأمن للناس وتحسين حياتهم هي الإقامة بينهم. وكان ذلك يعني تطهير الأراضي من المتمردين ثم منع عودتهم عن طريق إنشاء مجتمعات مسورة مع نقاط دخول خاضعة للمراقبة، وفحص بيومتري وبطاقات هوية، ودوريات مستمرة. لقياس مدى النجاح، بدأ الجيش الأميركي يحول تركيزه من إحصاء خسائر العدو إلى تقدير مساحة الأراضي المأهولة بالسكان ولكن الخالية من القوات المعادية، وتقدير مستويات العنف الإجمالية، وعدد الضحايا المدنيين، وقدرة المدنيين على عيش حياة طبيعية. وفي الوقت ذاته، بدأ ضباط الجيش في إقناع الزعماء القبليين والدينيين في المجتمعات السنية بالتصالح مع القوات الأميركية، والتوقف عن التعاون مع تنظيم "القاعدة" أو الخضوع له، ومساعدة الولايات المتحدة في محاربة الجماعة عوضاً عن ذلك.

ومن أجل منع عناصر "حماس" غير المستعدين لقبول حل سلمي من إعادة تشكيل صفوفهم، يتعين على إسرائيل أن تميزهم بشكل واضح عن المدنيين الأبرياء، وأن تتعهد بتحسين أمن هؤلاء المدنيين وحياتهم، حتى في حين تستمر في محاربة عناصر "حماس" بلا هوادة. يجب أن تركز العمليات العسكرية الإسرائيلية على تقليل الخسائر في صفوف المدنيين إلى الحد الأدنى، وهذه المهمة سوف تصبح أسهل مع القضاء على قواعد "حماس" ومقرات عملياتها. وكما كانت الحال في العمليات الأميركية الناجحة، يجب على القادة أن يتساءلوا عما إذا كان عدد المقاتلين الأعداء الذين قد تقضي عليهم عملية معينة أكبر من عدد المقاتلين الأعداء الذين قد تولدهم هذه العملية.

واستطراداً، تظهر اختلافات كبيرة وواضحة بين الوضعين في العراق عام 2007 وغزة اليوم. ليس هناك ما يضمن أن يستجيب الفلسطينيون بشكل إيجابي للجهود الإسرائيلية الرامية إلى توفير الأمن وحياة أفضل، وعلى أقل تقدير، سيستغرق تحقيق ذلك وقتاً طويلاً. لكن القوات الأميركية وجدت أنها قادرة على استعادة ثقة المجتمعات العراقية حتى في الأماكن التي استُهدفت باستمرار في السابق. ومن المؤكد أنه ما لم تتمكن قوة ما، سواء كانت إسرائيلية أو غير ذلك، من تطهير مقاتلي "حماس"، والسيطرة على الأراضي، وبناء البنية التحتية الأساسية وآليات الحكم في غزة على المدى المتوسط، فمن المرجح أن تستمر "حماس" في إعادة تجميع صفوفها.

الإعمار وإعادة الإحياء

استناداً إلى تجربة الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر، فإن ضمان خلو المناطق من أي وجود لـ"حماس" سيكون ضرورياً ولكنه لن يكون كافياً. في العراق، وفي بعض الأحيان في أفغانستان، سمح تحسن الوضع الأمني بالمباشرة بمرحلة إعادة الإعمار بقيادة الولايات المتحدة، مما أدى في نهاية المطاف إلى إحياء النشاط السياسي والاقتصادي. ومع ذلك، تطلبت هذه النتائج من واشنطن أن تطرح رؤية إيجابية للناس العاديين في تلك الأماكن. وكان الوعد الأميركي هو أن المنطقة الخالية من المتمردين لن تكون أكثر أماناً للمدنيين فحسب، بل ستشهد أيضاً استعادة الخدمات الحيوية مثل الغذاء والمياه والمستشفيات والنقل والأسواق والمدارس وغيرها. وسيتمكن الناس من العودة إلى منازلهم، وسيكون من الممكن إعادة بناء البنية التحتية. وفي وقت لاحق، ستتمكن المنظمات غير الحكومية وعمال الإغاثة والمقاولين والقطاع الخاص من المشاركة، مما يحسن الظروف على الأرض ويعيد تنشيط الحياة الاقتصادية. وبمرور الوقت، سيصبح من الممكن إنشاء وتطوير الحكم المحلي وقوات الأمن.

وكانت الفكرة تتلخص في تقويض دعم المتمردين ومنع تجنيدهم من خلال إظهار أن المدنيين سيكونون أفضل حالاً من دونهم، وقد نجحت الفكرة. وبعد 18 شهراً من بدء تنفيذ "الزيادة المفاجئة"، انخفض العنف في العراق بنسبة 90 في المئة تقريباً، واستمر في الانخفاض إلى أن انسحبت آخر القوات القتالية الأميركية من البلاد في عام 2011، بعد نحو ثلاث سنوات ونصف. بحلول تلك المرحلة، كان النشاط الاقتصادي قد استؤنف، وتعثرت عملية تجنيد المتطرفين والمتمردين. وبمرور الوقت، تمكنت القوات الأميركية من تسليم المسؤوليات الأمنية وغيرها من المسؤوليات إلى السلطات المحلية، مما سمح للقوات الأميركية بالتقليل من وجودها تدريجاً ثم الانسحاب في نهاية المطاف. ولم يتدهور الوضع إلا بعد مغادرة القوات الأميركية بالكامل، وانتهاج رئيس الوزراء العراقي آنذاك، الزعيم الشيعي نوري المالكي، أجندة طائفية للغاية.

كانت الزيادة في عدد القوات ضرورية جزئياً لأن الغزو الذي شنته الولايات المتحدة على العراق كان يفتقر إلى خطة مفصلة لما سيحدث بعد سقوط صدام حسين. في عام 2003، بدا أن بعض صناع السياسة الأميركيين يعتقدون أن القوات الأميركية قادرة على تنصيب مجموعة من المنفيين العراقيين في السلطة الذين سيقودون بعد ذلك عملية انتقال ديمقراطي. وافترض آخرون أن ضابطاً عسكرياً أو زعيماً قوياً (أي شخص ما عدا صدام حسين أو أبنائه) سيتولى السلطة. لكن البعض اختار عدم التفكير في الأمر على الإطلاق؛ ظناً منهم أن كل ما سينشأ بعد ذلك ليس من شأن الولايات المتحدة أو مسؤوليتها.

لكن ثبت أن هذه الافتراضات الثلاثة كانت جميعها خاطئة. وفي غياب القوات الأميركية التي توفر الأمن وتتولى السيطرة مباشرة، لم تظهر أي قوة بديلة خارجية أو داخلية لملء الفراغ. وعوضاً عن رؤية ازدهار سلمي وديمقراطي لشعب متحرر من حكم استبدادي، غرق العراق في كابوس هوبيزي [بالعودة إلى فلسفة توماس هوبز الذي كتب عن العقد الاجتماعي] حيث تقاتلت مجموعات أصغر من أي وقت مضى من أجل أجزاء متضائلة من الأرض.

وقد فاقمت واشنطن التحديات التي واجهتها من خلال الانخراط في عملية واسعة النطاق لـ "اجتثاث حزب البعث" (من دون التوصل إلى عملية مصالحة متفق عليها) ومن خلال حل الجيش العراقي (من دون الإعلان عن خطط لإعالة عناصر الجيش وأسرهم حتى بعد مرور عدة أسابيع). ومن الواضح أن كبار مسؤولي النظام السابقين وغيرهم من المؤيدين المتشددين لصدام لم يكن لهم أي دور في مستقبل العراق. لكن عملية اجتثاث البعث وحل الجيش أبعدت أعداداً كبيرة جداً من العراقيين، مئات الآلاف منهم، عن الحياة العامة وحفزتهم على معارضة أي سلطة تأتي بعد نظام صدام بدلاً من أن يدعموها ويكونوا جزءاً منها. وفي كل الأحوال كان من شأن نزع السلطة المطلقة من الأقلية السنية ومنحها للغالبية الشيعية إلى إنتاج رد فعل عنيف بغض النظر عن الظروف المحيطة. ومع ذلك، فإن هذه الأخطاء الأميركية غذت بذور التمرد المزروعة سابقاً، وقوضت احتمال التعاون المحلي مع المسؤولين الأميركيين في إدارة وحماية بلد لم يفهموه بشكل كافٍ.

ومما زاد الطين بلة أن الانهيار غير المتوقع للمؤسسات العراقية الأخرى جعل من المستحيل على الولايات المتحدة نقل السلطة الكاملة بسرعة، حتى إلى الشركاء العراقيين الجديرين بالثقة. وعوضاً عن ذلك، كان على الولايات المتحدة أن تتولى مسؤولية الأمن في حين تسعى إلى تفويض الحكم المدني للعراقيين من خلال مجلس الحكم العراقي، الذي تأسس عام 2003. وكان المجلس يمثل بديلاً عن تسليم زمام السيطرة إلى قواعد السلطة القائمة في العراق، مثل القبائل السُنية، والميليشيات الشيعية، والأحزاب الكردية، وقوات البيشمركة في الشمال. على رغم ضم المجلس عدداً من العراقيين الشرفاء وصياغته دستوراً موقتاً مهماً، إلا أنه لم يحقق سوى القليل من الإنجازات القيمة عندما أسند السلطة إلى حكومة انتقالية مع انتهاء الاحتلال الأميركي رسمياً، في يونيو (حزيران) 2004. على رغم الأخطار والتكاليف المرتبطة بتعزيز هياكل السلطة المعيبة القائمة في العراق، إلا أن واشنطن لم تدرك بشكل كامل مساوئ إنشاء مؤسسة جديدة هشة تفتقر إلى الجذور التاريخية والمصداقية.

لذا، ففي سعيها إلى إيجاد شركاء يحكمون في غزة، يتعين على إسرائيل أن تدرس عن كثب تجارب مجلس الحكم العراقي وأن تتعلم منها. ويشير المسار الذي سلكه المجلس إلى الأخطار الناجمة عن إنشاء هياكل حكم جديدة بديلة والتخلي عن السلطة الفلسطينية بالكامل بدلاً من السعي إلى معالجة عيوبها الواضحة وإصلاحها. وتسلط تجربة المجلس أيضاً الضوء على الإخفاقات المحتملة المترتبة على وجود مؤسسة لا تتحمل إلا مسؤوليات سياسية في بيئة يعتبر فيها الأمن هو العامل الأهم والأكثر إلحاحاً.

ولأسباب مفهومة، لا يرغب أي من إسرائيل وواشنطن في رؤية احتلال إسرائيلي موقت لغزة، وكلاهما يأمل في أن يتدخل كيان خارجي، مثل تحالف من دول إقليمية أو السلطة الفلسطينية بعد تجديدها، ويتولى السيطرة. ومع ذلك، فإن هذا أمر غير وارد على المدى القريب، لأنه من المستبعد أن يكون لدى أي قوة خارجية الرغبة أو القدرة على فرض الأمن في منطقة غارقة في الفوضى. ونتيجة لذلك، قد يكون تولي إسرائيل إدارة الأمن والحكم في غزة لفترة قصيرة أمراً لا مفر منه، وينبغي للإسرائيليين والأميركيين أن يعترفوا بهذه الحقيقة، مهما كانت بغيضة. لا أحد يريد احتلالاً إسرائيلياً. ولكن في الوقت الحاضر، فإن البدائل الوحيدة المتاحة أسوأ بكثير.

يجب على إسرائيل أن تبدأ بالتخطيط ليس فقط لتحمل هذه المسؤوليات بل لنقلها لاحقاً إلى الفلسطينيين. وسوف يتطلب ذلك تمييزاً بين مقاتلي "حماس" الملتزمين بتدمير إسرائيل، والفلسطينيين القادرين على العيش والعمل بسلام في غزة ما بعد "حماس". على سبيل المثال، لا يزال عشرات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية في غزة مدرجين على جدول رواتب السلطة الفلسطينية ويمكنهم المساعدة في إدارة الحكم والخدمات الأساسية تحت مظلة أمنية يوفرها الجيش الإسرائيلي (أو قوات أخرى). ومن أجل الحفاظ على القانون والنظام، قد تحتاج إسرائيل إلى الاعتماد على ضباط الشرطة الذين كانوا حتى وقت قريب يعملون تحت قيادة "حماس". وبمرور الوقت، تستطيع إسرائيل أن تسعى إلى دمج عسكريين فلسطينيين وبيروقراطيين جديرين بالثقة، ودعم الجماعات المحلية غير التابعة لـ"حماس"، ودعوة قوات عسكرية من المنطقة للعب دور، وإشراك المنظمات غير الحكومية والدولية، فضلاً عن المقاولين. ولكن لن يكون تحقيق أي من هذا ممكناً إذا ظل الوضع على الأرض غير آمن وغير مستقر.

واستناداً إلى الدروس التي تعلمتها الولايات المتحدة في العراق بعد أن أعلنت رسمياً أنها وشركاءها قوة احتلال، فإن الاحتلال له جوانب سلبية خطيرة، تتمثل في التكاليف الهائلة المترتبة من حيث الأفراد والبنية التحتية، والمقاومة التي يواجهها الاحتلال بين السكان المحليين، وخلق أرض خصبة للمتمردين. لكن في العراق، ضاعفت واشنطن مشكلاتها من خلال قبولها بهذه السلبيات من دون الوفاء بواجباتها بشكل كاف كقوة احتلال، على غرار توفير الأمن للسكان وضمان استعادة الخدمات الأساسية. وكان ذلك أسوأ ما يمكن أن يحدث بالنسبة إلى الطرفين، إذ جعل من الصعب للغاية على العراقيين المعتدلين التعاون مع المحتلين الأميركيين وزاد الشرخ بين السكان وسلطة الاحتلال.

يمكن لإسرائيل أن تغير هدفها الاستراتيجي وتقرر العيش إلى جانب قطاع غزة الذي تديره "حماس" بعد كل ما حدث

إن الشروع بحملة سياسية عسكرية للقضاء على "حماس" ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها، وحماية المدنيين الأبرياء، واستعادة الخدمات الأساسية، وتأسيس سلطة حكم جديدة، والبدء في إعادة إعمار غزة، سوف يكون مهمة شاقة ومكلفة للغاية. لقد تطلبت "الزيادة المفاجئة" في العراق الاستعانة بنحو 30 ألف جندي أميركي إضافة إلى الجنود البالغ عددهم 135 ألفاً تقريباً الموجودين هناك بالفعل، وذلك في بلد كان عدد سكانه عام 2007 أكبر بـ 12 مرة من عدد سكان غزة اليوم. وفي الواقع، لا تمتلك إسرائيل إلا 15 ألف جندي مقاتل في الخدمة الفعلية، وبالتالي فهي تعتمد بشكل كبير على جنود الاحتياط وألوية الاحتياط الخاضعة حالياً لأوامر التعبئة الموقتة. ويشارك بعض هذه القوات في عمليات في الضفة الغربية أو في الدفاع عن الحدود مع لبنان. ويعتمد الاستقرار الاقتصادي في إسرائيل على قدرة جنود الاحتياط على العودة إلى العمل، وسوف تكون تكاليف إعادة بناء المجتمعات المحطمة، في إسرائيل وغزة على حد سواء، مليارات الدولارات. علاوة على ذلك، سوف تتطلب مواصلة هذه الحملة أيضاً درجة كبيرة من الالتزام السياسي والموارد. وقد يكون من الضروري اتباع نهج تدريجي ومتسلسل؛ لذا قد تحتاج القوات إلى تحقيق الاستقرار في أجزاء من غزة واحداً تلو الآخر، وربما تبدأ من الشمال وتشق طريقها جنوباً متقدمةً مسافة ميل أو ميلين في كل مرة. سيكون مسار المضي قدماً فوضوياً وغير مثالي. ولكن البديل هو الفوضى إلى أجل غير مسمى، والتهديدات الإرهابية المستمرة لإسرائيل، والوضع الكارثي للمدنيين الفلسطينيين الذين عانوا الأمرين بالفعل.

أعلن نهاية الحكاية

هناك نقاط معينة ينبغي مراعاتها أو أخذها في الاعتبار عند إجراء مقارنة بين حروب واشنطن بعد 11 سبتمبر وحرب إسرائيل في غزة. فغزة ليست العراق، وإسرائيل ليست الولايات المتحدة. على رغم فظاعة هجمات 11 سبتمبر بالنسبة إلى الأميركيين، فإن 7 أكتوبر كان له تأثير أكبر بكثير على الإسرائيليين، إذا نظرنا إلى عدد الأشخاص المتضررين مقارنة بإجمالي السكان. وكان مركز تنظيم "القاعدة" في أفغانستان بعيداً من الشواطئ الأميركية؛ في حين تتمركز "حماس" في غزة بالقرب من حدود إسرائيل مباشرةً. كذلك، فإن العداء بين الإسرائيليين والفلسطينيين عميق، خلافاً لمشاعر العراقيين التي كانت مختلطة، أو في بعض الحالات إيجابية، تجاه التحالف الذي كانت تقوده الولايات المتحدة عندما تدخل في مارس (آذار) 2003.

ولكن على رغم اختلاف التفاصيل، إلا أن الحالات والمواقف متشابهة للغاية من الناحية الهيكلية. هذه الملاحظة تنطبق أيضاً على السياقات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر وفي إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة، وليس على الأوضاع السائدة في مناطق النزاع فحسب. لقد حظيت الحرب الأميركية في كل من أفغانستان والعراق بدعم واسع النطاق في البداية؛ ومع تراكم الإخفاقات، أصبحت مثيرة للانقسام. اليوم في إسرائيل، اندلعت الخلافات في حكومة الطوارئ الحربية بشكل علني مع تصاعد الضغوط الدولية على تل أبيب للحد من الخسائر في صفوف المدنيين وتحديد نهاية واضحة للمشهد في غزة.

في الحالة الأميركية، كان أي نجاح حققته واشنطن في حروب ما بعد 11 سبتمبر ناتجاً من الوحدة في الهدف: الجهود المتكاملة والتعاون بين البيت الأبيض، والكونغرس، والمسؤولين العسكريين والدبلوماسيين، وضباط الاستخبارات، وعمال الإغاثة، والمخططين الاقتصاديين. إن الحفاظ على مستوى الدعم السياسي المطلوب لتنفيذ استراتيجيات مثل زيادة عدد القوات أجبر صناع السياسات على وضع نهاية واضحة ومنشودة لعملياتهم. وعلى نحو مماثل فإن الوحدة في إسرائيل سوف تعتمد على قدرة الحكومة على صياغة رؤية واقعية لمستقبل غزة، رؤية يستطيع فيها الإسرائيليون والفلسطينيون التعايش في حالة السلام والأمن التي يستحقونها. ويحث الرئيس الأميركي جو بايدن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على القيام بذلك على وجه التحديد كجزء من اقتراح وقف إطلاق النار الذي تبناه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. إلا أن هذا الاقتراح لن يمنع "حماس" من إعادة تنظيم صفوفها على المدى الطويل، مع أن هذا الأمر بالغ الأهمية لتحقيق الأمن المستدام والاستقرار والسلام.

وهناك احتمالات أخرى. يمكن لإسرائيل أن تغير هدفها الاستراتيجي وتقرر العيش إلى جانب قطاع غزة الذي تديره "حماس" بعد كل ما حدث، وربما تستنتج، كما فعل بايدن، أن الحركة لم تعد تمتلك القدرة (على الأقل في المدى القريب) على تنفيذ هجوم آخر مثل الذي شنته في السابع من أكتوبر. وفي سيناريو آخر، يستطيع زعماء "حماس" أن يختاروا المنفى الطوعي، ويتركوا غزة، ويسلموا القطاع إلى سلطة بديلة. لكن هذين الاحتمالين يبدوان اليوم أقل ترجيحاً من احتمال استمرار إسرائيل في جهودها الرامية إلى تدمير "حماس" في غزة واستبدالها بشيء جديد. وهذا بدوره سيتطلب استراتيجية صعبة وموارد كثيرة على غرار الاستراتيجية التي حققت نجاحاً خلال زيادة عدد القوات الأميركية في العراق.

وفي هذا الصدد، يستطيع المجتمع الدولي أن يلعب دوراً حاسماً. في الأيام الأولى من حرب العراق، اعتقدت واشنطن أنها قادرة على تغيير النظام من دون الحصول على دعم الجهات الفاعلة الإقليمية أو حتى موافقتها. كانت إدارة جورج دبليو بوش مترددة في إعطاء الأمم المتحدة أي دور ذي معنى في العراق. وتبين أن تلك الحسابات كانت أخطاء جسيمة. وقد سعت دول أخرى إلى تحقيق مصالحها في العراق على أي حال، وغالباً ما كان ذلك على حساب البلاد، ثم ظهرت الأمم المتحدة في وقت لاحق باعتبارها شريكاً دبلوماسياً مهماً. وبينما تفكر إسرائيل في المستقبل، فهي قد لا تكترث لرأي الجهات الفاعلة الإقليمية أو العالمية التي لا تفهم عمق الصدمة التي عانت منها البلاد في السابع من أكتوبر. لكن النجاح لن يكون مبنياً على تصرفات إسرائيل وحدها، وعلى رغم أن الجهات الخارجية تستطيع إعاقة التقدم في بعض الأحيان، إلا أنها قادرة أيضاً على تقديم المساعدة.

واستكمالاً، يجب على الأميركيين أن يكونوا متواضعين في استخلاص الدروس وتقديم النصائح بناء على حروب ما بعد 11 سبتمبر. فسجل واشنطن في تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط أبعد ما يكون عن النجاح التام. بعد سنوات عدة من جهود مكافحة التمرد، فشلت الولايات المتحدة في نهاية المطاف في منع عودة "طالبان" إلى أفغانستان. وفي العراق، وجدت واشنطن صعوبة في الحفاظ على المكاسب التي حققتها بشق الأنفس بعد رحيل آخر قواتها المقاتلة، بخاصة وأن المالكي اتبع سياسات طائفية مثيرة للانقسام.

لكن إسرائيل تعتمد على الدعم الأميركي لإلحاق الهزيمة بـ"حماس" وإيجاد سبيل للمضي قدماً في غزة. وعلى رغم أن إسرائيل قد لا ترغب في محاكاة النهج الأميركي في أماكن مثل العراق (حتى في الجوانب التي لاقت نجاحاً)، عليها ألا تتجاهل الدروس القيمة التي يمكن أن تستخلصها من تجارب أقرب حلفائها.

 

*ديفيد بتريوس شغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وقائد قوات التحالف في العراق وأفغانستان، وقائد القيادة المركزية الأميركية. وهو الآن رئيس معهد "كولبرج كرافيس روبرتس" KKR العالمي وشريك فيه.

*ميغان إل. أوسوليفان هي مديرة مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية وأستاذة مقعد جين كيركباتريك لممارسة الشؤون الدولية في كلية كينيدي بجامعة هارفارد. خلال إدارة جورج دبليو بوش، عملت كمساعدة خاصة للرئيس ونائبة مستشار الأمن القومي للعراق وأفغانستان.

*ريتشارد فونتين هو الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحوث "مركز الأمن الأميركي الجديد". وقد عمل في وزارة الخارجية الأميركية، وفي مجلس الأمن القومي، ومستشاراً في شؤون السياسة الخارجية للسيناتور الأميركي جون ماكين.

مترجم عن "فورين أفيرز"، 17 يونيو 2024

شارك المقال: