في وقت تصاعدت حدة المواجهات، شهدت مناطق عدة في ولايتي جنوب كردفان وغربها أمس السبت معارك عنيفة بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" أسفرت عن خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
بحسب مصادر عسكرية، فإن الجانبين تبادلا القصف المدفعي داخل مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان، حيث قصفت "الدعم السريع" مقر الفرقة 22 مشاة في محاولة جديدة لاختراق خطوط الدفاع للوصول لهذه القاعدة العسكرية والسيطرة عليها، بينما استهدف الجيش بمدفعيته الثقيلة تجمعات ومواقع الأخيرة.
وقالت المصادر إن قوات "الدعم السريع" حاولت التوغل بواسطة مركبات قتالية محملة بالأسلحة المتوسطة والخفيفة، وذلك من خلال استهداف خطوط التماس الجنوبية للفرقة، غير أن قوات الجيش المرابطة في محيط الفرقة 22 مشاة كانت على أتم الاستعداد والجاهزية، فضلاً عن تمتعها بخبرة طويلة في جغرافيا المنطقة.
وأضافت المصادر ذاتها أن طيران الجيش قصف مواقع تابعة لـ"الدعم السريع" في مدينتي النهود والفولة وغرب مدينة الخوي بالولاية نفسها (غرب كردفان) شملت إمدادات وقود وعتاداً عسكرياً مما تسبب بخسائر فادحة في صفوف تلك القوات، مشيرة إلى أن الجيش حقق تقدماً نسبياً في هذين المحورين، وذلك بدعم من القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة التي تشارك في هذه المعارك.
ويأتي هذا التقدم في إطار العمليات المستمرة التي ينفذها الجيش لتوسيع نطاق السيطرة الميدانية وتعزيز وجوده في المناطق الاستراتيجية.
اشتباكات وغارات
في تصعيد جديد، وقعت اشتباكات بين الجيش و"الدعم السريع" في منطقتي قردود ناما وأبو زايدا بولاية جنوب كردفان، في وقت قام الجيش بعمليات تمشيط واسعة بمناطق عدة في هذه الولاية.
وأشارت مصادر ميدانية إلى أن عمليات التمشيط استبقها الجيش بغارات جوية على تمركزات "الدعم السريع" والحركة الشعبية- شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو في الولاية ذاتها أسفرت عن تدمير عدد من المركبات القتالية بكامل عتادها الحربي، إضافة إلى مقتل عدد من الأفراد.
من جهتها، اتهمت الحركة الشعبية – شمال، طيران الجيش باستهدف بلدة كُمو الواقعة شرق مدينة كاودا التي تعد معقل الأولى.
وقالت الحركة في بيان "ارتكب الجيش مجزرة في منطقة كُمو بجبال النوبة، وذلك باستخدام طائرة مسيرة، مما أسفر عن سقوط 45 قتيلاً معظمهم من طلاب المدارس، وإصابة أكثر من ثمانية آخرين بجروح بالغة بينهم نساء وأطفال".
وأشار البيان إلى أن الجيش سبق أن ارتكب انتهاكات مماثلة، من بينها استهداف طلاب مدرسة الهدرا، إضافة إلى سقوط ضحايا من الأطفال في هيبان بجبال النوبة.
ويعد هذا القصف الأول من نوعه الذي يستهدف مواقع الحركة داخل جبال النوبة منذ عزل الرئيس المعزول عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019.
ويأتي الهجوم في وقت تشهد فيه ولاية جنوب كردفان تصاعداً في العمليات العسكرية، وسط تحالفات ميدانية بين قوات "الدعم السريع" والحركة الشعبية- شمال ضد الجيش.
وتعاني أكبر مدينتين في هذه الولاية هما كادوقلي والدلنج، من حصار خانق فرضته قوات "الدعم السريع" والحركة الشعبية منذ أكثر من عامين، في حين تعرضت المدينتان لهجمات مدفعية متكررة نفذتها الحركة الشعبية استهدفت مؤسسات خدمية ومراكز إيواء، مما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين.
اتهام الجيش
إلى ذلك، اتهم تحالف "تأسيس" الذي تتزعمه قوات "الدعم السريع"، الجيش بخرق الهدنة الإنسانية المعلنة، واستهداف مناطق في إقليم كردفان بالطيران المسيّر.
وأوضح المتحدث باسم التحالف علاء الدين نقد في تصريحات صحافية بأن الجيش استمر في الخروق المتكرر للهدنة الإنسانية التي أُقرت احتراماً للجهود الرامية إلى تعزيز حماية المدنيين، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية.
وأشار إلى أن الطيران المسيّر التابع للجيش استهدف مناطق جبرة الشيخ وأم قرفة بولاية شمال كردفان، وأبو قعود بغرب كردفان، فضلاً عن تعرض مواقع قواتهم في منطقة كازقيل بولاية شمال كردفان لقصف مدفعي من قبل قوات الجيش.
وأكد التزامهم الهدنة الإنسانية وحرصهم على حماية المدنيين، مع إيمانهم بأن حق الدفاع عن النفس حق أصيل تكفله القوانين والأعراف الدولية.
ودعا نقد المجتمع الدولي ودول الرباعية إلى تحمل مسؤولياتهم ورصد اعتداءات الطرف الآخر، وضمان حماية المدنيين من هذه الانتهاكات المتكررة.
وكان قائد "الدعم السريع"، رئيس المجلس الرئاسي لـ"تأسيس" محمد حمدان دقلو "حميدتي"، أعلن الأسبوع الماضي، هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر من طرف واحد، والموافقة على تشكيل آلية مراقبة دولية، وذلك استجابة للجهود الدولية المبذولة، حسب قوله، وهو ما قللت منه الحكومة التي يقودها الجيش واعتبرته مناورة سياسية مكشوفة.
أفورقي في بورتسودان
في الأثناء، ناقش رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في مدينة بورتسودان، القضايا الأمنية والاقتصادية، إلى جانب حزمة من الموضوعات الأخرى.
وبحسب بيان لمجلس السيادة فإن المحادثات بين الرئيسين تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، والعمل على تفعيل مجالات التعاون المشترك في مختلف القطاعات، بجانب القضايا الأمنية والعلاقات الاقتصادية والتجارية.
وأشار البيان إلى أن الطرفين استعرضا التطورات الراهنة للأوضاع في السودان في ظل الظروف الحالية، وتبادلا الرؤى حول القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وناقشا سبل المساهمة في تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة.
ونوه البيان بأن السودان وإريتريا أبديا عزماً على الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات متقدمة ودفعها نحو آفاق أرحب من الشراكة الاستراتيجية، كذلك أكدا حرصهما على تنسيق الجهود لتحقيق الاستقرار والتنمية في المنطقة.
وتعد زيارة أفورقي الأولى من نوعها منذ اندلاع النزاع بين الجيش و"الدعم السريع" في أبريل 2023، فيما ظلت إريتريا تستقبل بين الحين والآخر كبار مسؤولي السودان.
لقاء إدريس ولعمامرة
في غضون ذلك، بحث رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة رمطان لعمامرة، الذي وصل إلى بورتسودان، الأوضاع السياسية والأمنية والإنسانية في البلاد عقب أحداث الفاشر المأسوية.
وأفادت وكالة السودان للأنباء أن إدريس أشار خلال اللقاء إلى عزم حكومة بلاده على التعاون مع المنظمات الدولية استناداً إلى خارطة الطريق التي أعدتها الحكومة، مشيرة إلى أن إدريس قدم للمبعوث الأممي تنويراً شاملاً عن الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد.
ورحب إدريس بزيارة لعمامرة، مؤكداً استعداد الحكومة السودانية للعمل والتنسيق مع الأمم المتحدة ووكالاتها لتحقيق الأمن والسلام في البلاد، إضافة إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين.
في حين قال لعمامرة إن "الوضع في السودان يُعد أحد كبرى القضايا الإنسانية في العالم".
وفر نحو 106 آلاف شخص من الفاشر بعد سيطرة "الدعم السريع"، فيما ظل مصير نحو 150 ألفاً لم يتمكنوا من المغادرة مجهولاً في ظل انقطاع الاتصالات وتزايد التقارير التي تتحدث عن استمرار القتل الجماعي والدفن في مقابر جماعية.
ويواجه 21.2 مليون سوداني مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً لأحدث تقارير التصنيف المرحلي المعني بقياس أزمات الجوع، إذ أُعلن في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري حدوث مجاعة في الفاشر وكادقلي، محذراً من انتقالها إلى 20 منطقة إضافية في دارفور وكردفان.