أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الخميس من دافوس السويسرية "مجلس السلام"، الذي يهدف في الأصل إلى المساعدة في إنهاء حرب غزة المدمرة، لكنه يرى الآن أن له دوراً أوسع نطاقاً تخشى أوروبا وبعض الدول الأخرى أن ينافس الأمم المتحدة أو يقوضها.
وبحضور عدد كبير من رؤساء الدول والحكومات والمسؤولين الرسميين من الدول الموافقة على الانضمام للمجلس، ألقى ترمب كلمة شدد فيها على أهمية مجلس السلام الذي سيعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة، مؤكداً الالتزام "بضمان نزع السلاح من غزة وإعادة بنائها بصورة جميلة". وأضاف أن "على ’حماس‘ تسليم سلاحها وإلا ستكون نهايتها".
وبعد كلمة ترمب وقع الأعضاء في مجلس سلام عزة على الميثاق التأسيسي للمجلس. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت خلال حفل حضره جمع من القادة الذين قبلوا دعوة واشنطن للانضمام إلى المجلس، "تهانينا سيدي الرئيس ترمب، الميثاق دخل الآن حيز التطبيق ومجلس السلام بات منظمة دولية رسمية".
في موازاة ذلك نقلت وكالة تاس للأنباء عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوله للرئيس الفلسطيني محمود عباس اليوم الخميس إن روسيا مستعدة لإرسال مليار دولار من أصولها المجمدة في الولايات المتحدة إلى مبادرة مجلس السلام وذلك من أجل دعم الشعب الفلسطيني.كما نقلت وكالة إنترفاكس الروسية عن بوتين قوله إن فكرة استخدام الأصول الروسية المجمدة من أجل مجلس السلام نوقشت في وقت سابق مع الولايات المتحدة.
بريطانيا لم تنضم
من جهتها قالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إن بلادها لن توقع على ميثاق مجلس السلام الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عازيةً ذلك إلى مخاوف بشأن مشاركة روسيا المحتملة في المبادرة التي تهدف إلى حل النزاعات العالمية.وقالت كوبر لـ "بي.بي.سي نيوز" من دافوس، "لن نكون أحد الموقعين اليوم، لأن الأمر يتعلق بمعاهدة قانونية تثير قضايا أوسع بكثير، ولدينا مخاوف أيضاً حيال أن يكون الرئيس (الروسي فلاديمير) بوتين جزءا من شيء يتحدث عن السلام".
ودعا ترمب عشرات من قادة العالم للانضمام إلى مبادرة "مجلس السلام" الرامية إلى حل النزاعات العالمية، لكن دبلوماسيين يقولون إن هذه الخطوة ربما تؤثر في عمل الأمم المتحدة.وفي حين استجاب بعض حلفاء واشنطن التقليديين بحذر، بل وفي بعض الحالات رفضوا عرض ترمب، قبلت دول أخرى، بما في ذلك دول اتسمت علاقاتها بالتوتر مع واشنطن مثل بيلاروس، هذه المبادرة.
ماذا عن مجلس السلام الذي اقترحه ترمب؟
اقترح ترمب للمرة الأولى إنشاء "مجلس السلام" خلال سبتمبر (أيلول) 2025، عندما أعلن خطته لإنهاء حرب غزة. ثم أوضح لاحقاً أن صلاحيات المجلس ستتوسع لتشمل حل نزاعات أخرى في جميع أنحاء العالم إلى جانب غزة.وأظهرت نسخة من مسودة الميثاق اطلعت عليها "رويترز" أن من المقرر أن يكون الرئيس الأميركي أول رئيس لمجلس الإدارة، وأن المجلس سيناط به مهمة تعزيز السلام والعمل على حل النزاعات في جميع أنحاء العالم.وينص الميثاق على أن مدة عضوية الدول الأعضاء ستكون ثلاثة أعوام فحسب، لكن في حال دفع كل دولة مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس ستحصل حينها على عضوية دائمة.وأعلن البيت الأبيض تعيين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص لترمب ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وجاريد كوشنر صهر ترمب، أعضاء في المجلس التنفيذي التأسيسي للمبادرة.
مَن قبل دعوة ترمب حتى الآن؟
قال ويتكوف أمس الأربعاء إن نحو 35 من قادة العالم تعهدوا حتى الآن بالانضمام إلى مجلس السلام من أصل 50 دعوة أو نحو ذلك من الدعوات التي أُرسلت. ومن بين هؤلاء حلفاء من الشرق الأوسط مثل السعودية والإمارات والبحرين وقطر ومصر وإسرائيل. ووافقت أيضاً على المشاركة كل من تركيا والمجر، العضوان في "حلف شمال الأطلسي"، واللتان تربط قادتهما القوميون علاقات شخصية جيدة مع ترمب، وكذلك المغرب وباكستان وإندونيسيا وكوسوفو وأوزبكستان وكازاخستان وباراغواي وفيتنام.ومن بين الدول الأخرى التي قبلت الدعوة أرمينيا وأذربيجان. وكانت الدولتان توصلتا إلى اتفاق سلام بوساطة أميركية خلال أغسطس (آب) 2025 بعد لقاء ترمب في البيت الأبيض.وفي خطوة أثارت جدلاً واسعاً، وافق رئيس بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو الذي يتجنبه الغرب منذ فترة طويلة بسبب سجل بلاده السيئ في مجال حقوق الإنسان ودعمه للحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا، على دعوة ترمب التي تأتي في خضم تقارب أوسع نطاقاً بين واشنطن ومينسك.ولم تعلن روسيا موقفها من الانضمام إلى مجلس السلام عقب تحسن ملحوظ في علاقاتها المتوترة مع واشنطن، في ظل سعي ترمب لكسب ود نظيره الروسي فلاديمير بوتين واتهامه لكييف بعرقلة الجهود المبذولة لإنهاء الحرب الأوكرانية.ولم تعلن الصين، التي تختلف مع ترمب لكنها أبرمت خلال الآونة الأخيرة هدنة تجارية حساسة، ما إذا كانت ستنضم إلى المبادرة.وتعد روسيا والصين تقليدياً من الداعمين الأقوياء للأمم المتحدة، وكلتاهما عضو يتمتع بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لذا فمن المرجح أن تتوخيا الحذر في شأن أية مبادرات قد تمثل تقويضاً للمنظمة الدولية.وقلل ترمب الذي دأب على توجيه انتقادات للأمم المتحدة ويعدها عديمة الجدوى، من مخاوف في شأن رغبته في أن يحل مجلس إدارته محل المنظمة الدولية، قائلاً "أعتقد أن علينا السماح للأمم المتحدة بالاستمرار في عملها لأن لديها إمكانات هائلة".
ما الدول التي رفضت الانضمام أو لم تتعهد بعد؟
في الموازاة، قوبلت مبادرة إنشاء "مجلس السلام" التي تأتي في خضم تصاعد الخلاف عبر الأطلسي في شأن غرينلاند والرسوم الجمركية وغيرها من القضايا، برد فعل حذر من بعض أقرب حلفاء واشنطن الذين يبدون تحفظهم في كثير من الأحيان إزاء نهج ترمب الصدامي والأحادي الجانب القائم على سياسة "أميركا أولاً" في الدبلوماسية الدولية.ورفضت النرويج والسويد الانضمام إلى المبادرة، بينما قال وزير الاقتصاد والمالية الإيطالي جانكارلو جورجيتي إن الانضمام إلى مجلس الإدارة يبدو أمراً صعباً. وذكرت صحيفة "كورييري ديلا سييرا" الإيطالية أن الانضمام إلى مجموعة يقودها زعيم دولة واحدة يعد انتهاكاً للدستور الإيطالي.وقال مصدر مقرب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن باريس تعتزم أيضاً رفض الدعوة، مما دفع ترمب إلى التهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 200 في المئة على منتجات الخمور الفرنسية ما لم تنضم باريس إلى المجلس.وأبدت كندا موافقة "مبدئية" على الانضمام، مؤكدة أن التفاصيل لا تزال قيد الدراسة. ولم تتخذ دول حليفة رئيسة أخرى للولايات المتحدة، بما فيها بريطانيا وألمانيا واليابان، موقفاً علنياً واضحاً حتى الآن، على رغم أن متحدثاً باسم الحكومة الألمانية قال إن المستشار فريدريش ميرتس لن يحضر مراسم توقيع الاتفاق خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.وأكدت أوكرانيا أن دبلوماسييها يدرسون الدعوة، لكن الرئيس فولوديمير زيلينسكي قال إنه يصعب تخيل الانضمام إلى أي مجلس إدارة مع روسيا بعد ما يقارب أربعة أعوام من الحرب.وقال الفاتيكان أمس أن البابا لاوون الرابع عشر، أول بابا من الولايات المتحدة والذي ينتقد بعض سياسات ترمب، تلقى دعوة للانضمام إلى مجلس السلام، وإنه بصدد دراسة هذا المقترح.
ماذا عن صلاحيات "مجلس السلام"؟
منح مجلس الأمن الدولي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تفويضاً لمجلس السلام ولكن حتى عام 2027 فحسب، على أن يقتصر دوره على غزة. وامتنعت روسيا والصين عن التصويت وقالتا إن القرار الذي صاغته الولايات المتحدة لم يمنح الأمم المتحدة دوراً واضحاً في مستقبل غزة.ورحب قرار مجلس الأمن بإنشاء "مجلس السلام" كإدارة انتقالية "تضع الإطار العام، وتنسق التمويل لإعادة إعمار غزة" بموجب خطة ترمب للسلام، إلى حين إصلاح السلطة الفلسطينية بصورة مرضية.وفوض القرار "مجلس السلام" بنشر قوة استقرار دولية موقتة في غزة. ويتعين على "مجلس السلام" تقديم تقرير إلى مجلس الأمن، المؤلف من 15 عضواً، كل ستة أشهر عن التقدم المحرز.وبعيداً من غزة، لم تتضح بعد السلطة القانونية أو أدوات الإنفاذ التي سيتمتع بها "مجلس السلام" أو كيف سيتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.وينص ميثاق المجلس على أن رئيس مجلس الإدارة، وهو في هذه الحالة ترمب، سيكون له سلطة تنفيذية واسعة، منها حق النقض على القرارات وعزل الأعضاء، مع مراعاة بعض القيود.وبحسب الميثاق، سيضطلع مجلس السلام "بمهام إرساء السلام بما يتماشى مع القانون الدولي".