القاضي عبد الوهاب قطران
لستُ أكتب اليوم بصفتي مراقباً عابراً، بل أكتب بلسان القانون الجريح، وبمنطق القاضي الذي يرى حكمه يُداس بحذاء الابتزاز الرخيص.
انظروا جيداً إلى هذه الصورة؛ ليست مجرد لقطة لطفلين يرتديان قميصاً عليه صورة والدهما "محمد المياحي"، إنها لائحة دعوى مفتوحة ضد كل من استخف بدموعهما، وضد منظومة جعلت من "مزاج" موظف تنفيذٍ أعلى سلطة من منصة القضاء.
في عرفنا القضائي، حينما تنطق "الشعبة الجزائية المتخصصة" بالحكم، وحينما يُقرر ثلاثة قضاة كبار أن المتهم قد استوفى مدته وأن العقوبات التكميلية (الغرامة والمراقبة) قد سقطت، فإن هذا ليس مجرد رأي، بل هو "عنوان الحقيقة" الذي يجب أن تنحني له الرقاب وتُفتح له الأبواب.
صدر الحكم في نهاية ديسمبر الماضي، وانقضت المدة، ولم تطعن النيابة، وأصبح محمد المياحي بقوة الدستور والقانون "حراً طليقاً".
ولكن.. يا للفاجعة!
أن تنهار "هيبة الدولة" وتتساقط توقيعات القضاة الثلاثة عند قدمي موظف إداري صغير، قرر بجهالة وصلف أن يعطل العدالة.
موظفٌ ضحل نصّب نفسه محكمة نقضٍ عليا، يرفض الإفراج، ويشترط ضمانة مالية (خمسة ملايين ريال) كان القضاء قد ألغاها صراحةً في منطوق حكمه! يطلب المال، ويطلب "حق القات"، ويطلب إذلال أسرة كاملة، وكأن حرية البشر سلعة في سوق نخاسة لا تحكمها قوانين ولا مروءة.
انظروا إلى وجه الطفلة التي تمد يدها، وإلى شقيقها الذي يعقد ذراعيه بأسى أكبر من عمره..
هؤلاء لا ينتظرون "مكرمة" من أحد، هؤلاء ينتظرون تنفيذ "حكم قضائي". إن ما يحدث في دهاليز سجن المياحي هو جريمة "حجز حرية" مكتملة الأركان، يرتكبها موظف، وتتستر عليها إدارة عاجزة.
لقد كتبت زوجته، يسرا المياحي، Yousra Almayahi كلمات تخلع القلب: "يُخيّل لي أن الباب يطرق.. أعدّ البيت له.. أروّق كل زاوية..".
هل تدركون معنى أن يُعذب الإنسان بالأمل؟ هذا التلاعب النفسي بأسرة السجين، هذا الانتظار القاتل أمام بوابة السجن وعنجهية الموظف الذي يقول "تعالوا غدوة"، هو أبشع أنواع التعذيب الذي لا يترك أثراً على الجسد، بل يذبح الروح.
يا سادة القضاء، ويا ولاة الأمر، إن الحكم الذي لا يُنفذ هو والعدم سواء.
وإن الدولة التي يعطل فيها "جاهل" قرار "قاضٍ" هي دولة تأكل نفسها. هذا الموظف الذي يتكسب بدموع العجائز وانتظار الزوجات وقهر الأطفال، لا يهين المياحي فحسب، بل يهين القضاء اليمني برمته، ويمسح بكرامة أحكامكم البلاط.
أطلقوا سراح محمد المياحي فوراً، انتصاراً للقانون الذي حكم له، ورحمةً بهذين الصغيرين اللذين لبسا وجه أبيهما قميصاً، بانتظار أن يعود ليلبسهما حناناً وأماناً. كفوا عن هذا العبث، فالظلم ظلمات، ودموع المظلومين بريدٌ لا يضل طريقه إلى السماء.