تشهد العمليات العسكرية في السودان تطورات متسارعة ومتلاحقة بخاصة في محور شمال كردفان، حيث أحرز الجيش تقدماً ملموساً في المناطق الواقعة جنوب مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، في خطوة تهدف للوصول جنوباً لفك الحصار عن مدينتي الدلنج وكادوقلي، ثاني كبرى مدن جنوب كردفان، الذي تفرضه "الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن التقدم الميداني للجيش شمل مناطق البشمة، وأم قليب، ودبيكر، والدبيبة، والبريكي كنانة، والبريكة أبوجو، والحمادي، مشيرة إلى أنه تزامن مع هذه العمليات البرية، شن سلاح الطيران الحربي التابع للجيش غارات جوية مكثفة استهدفت تجمعات وتحركات "الدعم السريع" بولايتي جنوب كردفان وغربها، بهدف شل قدرات هذه القوات وإرباك خطوط إمدادها.
وأشارت المصادر ذاتها إلى أن وحدات من الجيش والقوات المساندة له نفذت عملية تمشيط واسعة في المناطق التي فرضت سيطرتها عليها بولايتي شمال كردفان وجنوبها للقضاء على ما تبقى من جيوب لـ"الدعم السريع".
مقتل 13 مدنياً
في الأثناء، اتهم تحالف "تأسيس" الذي تتزعمه "الدعم السريع" الجيش بشن هجوم جوي بواسطة طائرة مسيرة على بلدة فيو جنوب هبيلا بولاية جنوب كردفان أسفر عن مقتل 13 مدنياً بينهم ستة أطفال وثلاث سيدات.
وأشار التحالف في بيان إلى أن القصف استهدف مدنيين كانوا قد غادروا مناطق القتال بحثاً عن مناطق أكثر أمناً، مناشداً المجتمع الدولي باتخاذ خطوات عاجلة لوقف ما وصفه بانتهاكات متكررة ضد السكان في المناطق المتأثرة بالعمليات العسكرية، وطالب بزيادة الضغط لضمان حماية المدنيين.
وتستمر المواجهات في المناطق الواقعة حول مدينتي الدلنج وكادوقلي بين الجيش وقوات "الدعم السريع" المتحالفة مع الحركة الشعبية – شمال، وسط تبادل للسيطرة على مواقع مختلفة خلال الأسابيع الأخيرة.
وعلى رغم استعادة الجيش السيطرة على هبيلا نهاية الأسبوع الماضي، فإن حال الكر والفر وتبادل السيطرة لا تزال تسيطر على الموقف الميداني مع اعتماد مكثف على الطائرات المسيرة لتجاوز وعورة الطرق وتجنب المجازفة بالقوات البرية، مما ضاعف من أعداد الضحايا المدنيين.
مجزرة في الدلنج
في حين أفادت شبكة أطباء السودان، بارتفاع عدد ضحايا هجوم الطيران المسير لـ"الدعم السريع" لسوق مدينة الدلنج إلى سبعة أشخاص، من بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، فضلاً عن إصابة 32 مدنياً بإصابات حرجة، معظمهم من الأطفال والنساء.
ودانت الشبكة في بيان عملية الاستهداف الذي وصفته بالمجزرة، معتبرة أنه يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني وجريمة ممنهجة في حق المدنيين العزل. وأكد البيان أن استهداف الأسواق والأحياء السكنية والتجمعات المدنية يشكل تصعيداً خطراً يفاقم معاناة المواطنين ويقوض أي جهود لحماية المدنيين.
وحملت قيادة قوات "الدعم السريع" المسؤولية الكاملة عن هذه الهجمات، وما نتج منها من خسائر في الأرواح وإصابات في صفوف المدنيين، جراء استهداف المرافق المدنية. وطالبت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بالتدخل العاجل لحماية المدنيين في السودان، والضغط من أجل وقف استهداف المناطق المأهولة، ورفع الحصار عن ولاية جنوب كردفان ومدينة الدلنج على وجه الخصوص، محذرة من دخول المنطقة مرحلة متقدمة من الجوع نتيجة فقدان المواد الغذائية الأساسية بسبب الحصار.
وصعدت قوات "الدعم السريع" والحركة الشعبية، خلال الفترة الأخيرة، من عمليات القصف المدفعي والهجمات بالطائرات المسيرة على مدينة الدلنج، فيما كشفت شبكة أطباء السودان في وقت سابق عن خروج ثلاثة مستشفيات رئيسة بالمدينة عن الخدمة.
أوضاع صحية مأسوية
ويواجه المئات من المرضى والجرحى في مدينة الدلنج أوضاعاً مأسوية في ظل نقص الأدوية وغياب الرعاية الطبية، وفي ظل خروج غالبية المستشفيات والمراكز الصحية من الخدمة جراء استهدافها بواسطة القصف المدفعي والطائرات المسيرة.
وتشهد المدينة هذه الأيام قصفاً مدفعياً مستمراً بالمدافع والطائرات المسيرة من قبل قوات "الدعم السريع" وقوات الحركة الشعبية المتحالفة معها، مما تسبب في مقتل العشرات القتلى وإصابة آخرين وتدمير المرافق الخدمية.
وأشارت مصادر طبية إلى أن المستشفيات في الدلنج تشهد تدهوراً مريعاً، بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الناجمة عن استهداف المنظومة الصحية، والذي بدوره أسهم في ظهور مضاعفات وسط الجرحى.
نازحون في العراء
في الوقت نفسه فاقمت المعارك العسكرية في جنوب كردفان واستمرار حصار كادوقلي والدلنج معاناة الآلاف الذين أجبروا على النزوح من القرى المحيطة ببلدتي هبيلا وفيو نحو الجبال والمناطق الوعرة هرباً من القصف الجوي والمدفعي.
وبحسب ناشطين فإن هؤلاء النازحون يعيشون في العراء تحت ظروف مناخية قاسية، حيث حرموا من أبسط مقومات الإيواء والمياه الصالحة للشرب، في ظل عجز المنظمات الإنسانية عن الوصول إليهم بسبب تحول الطرق الرئيسة إلى خطوط تماس عسكرية وممرات للمسيرات مما جعل من جنوب كردفان منطقة معزولة عن العالم.
وأشار هؤلاء الناشطون إلى أن الاستخدام المفرط للطائرات المسيرة في محيط الدلنج وكادوقلي تسبب في حال من الرعب بين السكان الذين لم تعد لديهم ملاذات آمنة يلجأون إليها.
وتنزلق الأوضاع بسرعة إلى كارثة إنسانية في جنوب كردفان إثر تعطل دخول المساعدات ووصول المصابين لا سيما النساء والأطفال وكبار السن إلى المستشفيات الواقعة في مناطق آمنة نسبياً.
معارك شمال دارفور
في محور دارفور أفادت تقارير ميدانية بتعرض عدد من المناطق الواقعة في أقصى شمال غربي دارفور قرب الحدود مع تشاد إلى هجمات برية وجوية متواصلة ومكثفة من قبل قوات "الدعم السريع".
وأشارت غرفة طوارئ مدينة الطينة، الواقعة على الحدود التشادية، إلى مقتل أكثر من 103 مدنيين من الأطفال والنساء والرعاة، وإصابة أكثر من 88 مدنياً، جراء المعارك الدائرة في تلك المناطق منذ أكثر من أسبوع.
وبينت الغرفة في بيان أن مناطق قدير، وساسا، وأندور، وجيرجيرة، وهجو، ومستورة، وخزان باسو، إلى جانب عدد من القرى المجاورة، تتعرض لهجمات متتالية من قبل قوات "الدعم السريع"، شملت سرقة ممتلكات السكان ونهب الماشية وحرق القرى.
ولفت البيان إلى أن هذه الهجمات أدت إلى نزوح أكثر من 18 ألف أسرة إلى المناطق الحدودية، حيث يعيش المدنيون، بخاصة النساء والأطفال، في العراء وسط حال من الرعب والتوتر، بعد تعرض مناطقهم لهجمات متكررة بالطائرات المسيرة الاستطلاعية وهجمات برية مستمرة.
وأكد البيان أن مدينة الطينة المكتظة بالسكان، بخاصة النازحين من المحلياًت والولايات المختلفة المقيمين في مراكز الإيواء والأسر المستضيفة، تعرضت لهجمات جديدة أدت إلى فرارهم للمرة الثالثة، مشيراً إلى أن الهجمات البرية والجوية لم تتوقف منذ الـ22 من ديسمبر (كانون الأول) 2025 وحتى اللحظة، مستهدفة الأماكن العامة والمؤسسات، مما أدى إلى تعطل معظم المرافق، بينما يعمل بعضها بصورة جزئية فقط.
ونوه البيان بأن الهجمات الأخيرة تسببت في موجات نزوح داخلي وخارجي واسعة، إذ لجأ كثير من السكان إلى مدينة الطينة ثم إلى أطرافها والأودية الوعرة، بينما عبر آخرون الحدود إلى تشاد، واستقر بعضهم في الشريط الحدودي.
البرهان يرحب بمبادرة ترمب
إلى ذلك رحب رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان بمبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول تقاسم مياه النيل وإنهاء أزمة سد النهضة المتعثرة بين مصر وإثيوبيا والسودان.
وأبلغ ترمب أول من أمس الجمعة نظيره المصري عبدالفتاح السيسي استعداده للقيام بدور الوسيط في الخلاف القائم بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة، محذراً في الوقت ذاته من انزلاق المنطقة نحو صراع عسكري كبير.
وقال البرهان في منشور على منصة "إكس" إن "حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة الرئيس ترمب حول مياه النيل، وذلك لإيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، مما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم".
وتطالب مصر والسودان، إثيوبيا بضرورة التوصل إلى اتفاق ثلاثي قانوني ملزم في شأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي الذي بدأ بناؤه في 2011، وأثار خلافات ممتدة لسنوات بين الدول الثلاث، من دون أن تنجح الوساطات المتعددة في ردم هوة الخلافات بينها.