• الساعة الآن 09:46 PM
  • 10℃ صنعاء, اليمن
  • -18℃ صنعاء, اليمن

هولوكوست إعلامي.. قرار الإنهاء الجماعي في “بلقيس” يفتح ملف حقوق العاملين في القناة

news-details

 

متابعات - النقار
أثار خبر الإغلاق المفاجئ لقناة بلقيس موجة واسعة من الانتقادات الموجّهة إلى رئيسة القناة توكل كرمان، وفتح الباب أمام ملفٍ شائك يتعلق بحقوق العاملين فيها، بعد سنوات من العمل دون عقود واضحة أو ضمانات قانونية، قبل أن يجد العشرات أنفسهم خارج المؤسسة بلا ترتيبات أو تعويضات معلنة.

وكشفت ردود الفعل عن سجل حافل بانتهاك حقوق العاملين في قناة بلقيس خلال السنوات الماضية. حيث ذكر الكاتب عز الدين الشرعبي أن توكل كرمان رفضت طوال أكثر من عشر سنوات توقيع عقود عمل رسمية لموظفي القناة في تركيا، رغم أن خطوة بسيطة كتسديد ضرائب رمزية للسلطات التركية كانت ستمنحهم إقامات قانونية وتتيح لهم التقدم لاحقاً لنيل الجنسية. هذا الرفض غير المبرر ترك العاملين دون أي حماية قانونية أو مهنية طوال فترة عملهم . كذلك أشار الشرعبي إلى أن كرمان لم تمنح الموظفين أي تصاريح عمل خلال تلك الفترة، فظلوا يعملون بوضع غير قانوني، ما جعلهم عرضة للاستجواب والمضايقات في تركيا بين الحين والآخر.

وأكد الصحفي عادل الأحمدي أن كرمان لم توفر لموظفي القناة أذونات عمل طيلة عشر سنوات، وحرمتهم من مزايا الإقامة والتأمين الصحي، تاركةً الكثيرين منهم بلا أي غطاء قانوني. وبسبب غياب التأمينات، أصبح العاملون دون أي شبكة أمان في حال المرض أو التقاعد. 
كما تقاضى الموظفون رواتب زهيدة لا تتناسب مع ساعات العمل الطويلة؛ إذ تفيد مصادر من تركيا أن إدارة بلقيس كانت تمنح الموظفين “رواتب رمزية” مقابل العمل لساعات طويلة يوميًا، وأن وضعهم غير القانوني وافتقارهم لعقود رسمية جعلهم عرضة للاستغلال دون بدائل أخرى، خاصة وقد أصبحوا معروفين بانتمائهم المهني للقناة بما يصعّب عليهم إيجاد فرص عمل بديلة .

فيما أفاد موقع يمن فيوتشر بأن إدارة القناة وقّعت مع الصحفيين عقود عمل وهمية عبر شركة إنتاج تسمى “روما ميديا” – شركة مجهولة لا مقر لها في اليمن – بهدف التهرب من التزامات مالكي القناة بموجب القانون التركي . في المقابل، الشركة الحقيقية المشغّلة للقناة والمرخّص لها في تركيا هي “بلقيس ميديا” المسجلة بأسماء توكل كرمان وشركاء آخرين . الجدير بالذكر أن عقود العمل الوهمية تلك تضمنت بندًا ينص على إحالة أي نزاع للقضاء اليمني بدلًا من التركي، في دلالة واضحة على نية مبيتة للتهرب من أي التزامات قانونية أو حقوق للصحفيين بموجب القانون التركي  . هذا الأسلوب حرم الموظفين من اللجوء للقضاء التركي للمطالبة بحقوقهم، وجعل أوضاعهم القانونية بالغة الهشاشة.

معاناة الموظفين بعد الإغلاق المفاجئ

جاء قرار إغلاق بلقيس بشكل مباغت ودون أي ترتيبات انتقالية، مما خلف معاناة إنسانية كبيرة لعشرات الموظفين والعائلات. وبحسب الشرعبي، شكل الإغلاق المفاجئ ضربة قاصمة للعاملين: وجد الكثير منهم أنفسهم مطالبين بمغادرة تركيا فورًا دون أن يمتلكوا حتى قيمة تذاكر العودة إلى اليمن، نظرًا لهزالة الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة في إسطنبول . هكذا انهار الاستقرار المحدود الذي وفرته القناة لهم، وبات مصيرهم مجهولًا بعد سنوات طويلة أفنوا خلالها أعمارهم في خدمة مشروع إعلامي لم يوفر الحد الأدنى من الأمان الوظيفي . ويواجه البعض معضلة حقيقية: فالعودة إلى اليمن غير ممكنة في ظل ظروف الحرب الدائرة هناك، وفي الوقت نفسه بقاؤهم في تركيا أصبح غير قانوني لافتقادهم تصاريح الإقامة والعمل. وقد وصف أحد التقارير قناة بلقيس بأنها كانت “أشبه بمعسكر احتجاز” للصحفيين العالقين في المنفى الذين تعذّر عليهم الرجوع لبلادهم، فإذا بهم الآن يُتركون لمصير أكثر غموضًا .

القرار كشف أيضًا خللًا بنيويًا خطيرًا في بيئة الإعلام اليمني بالمنفى. فقد علّق الخبير العسكري محمد الكميم أن ما حدث مع بلقيس يظهر هشاشة البنية التي قامت عليها مؤسسات الإعلام اليمني في الخارج، حيث تبين أن العاملين هم الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن عند تغير التمويل أو تبدل الحسابات السياسية  . وأوضح الكميم – في تصريح نشره موقع كريتر سكاي – أن طريقة الإغلاق المفاجئ عكست غياب أي منظومة عقود واضحة تحمي الموظفين أو تضمن لهم تعويضات أو شبكات أمان وظيفية؛ لذلك شكل القرار بالنسبة للموظفين انهيارًا كاملًا لحياتهم الأسرية والمهنية بين عشية وضحاها  . كثير من العاملين فقدوا مصدر دخلهم الوحيد فجأة، دون تعويضات عن سنوات خدمتهم أو حتى إنذار مسبق يتيح التحضير للبديل . ويؤكد الكميم أن إنهاء المشروع بطريقة مباغتة دون ترتيبات انتقالية يمثل فشلًا أخلاقيًا ومهنيًا فادحًا كان يمكن تفاديه لو وُضعت خطة تحفظ كرامة العاملين وحقوقهم . ترك عشرات الأسر اليمنية في المنفى تواجه مصيرًا مجهولًا دون أي حماية اعتبره الكميم انعدامًا للمسؤولية الأخلاقية من قبل إدارة القناة .

وعلى صعيد آخر، نقل صحفيون تواصلوا مع بعض موظفي بلقيس أن إدارة القناة وتوكل كرمان لم يتواصلوا مع الموظفين حتى بعد أيام من الإغلاق، ولم يوضحوا لهم خططًا بشأن مصيرهم الوظيفي أو مستحقاتهم . هذا الصمت عمّق شعور الموظفين بأنهم تُركوا لمواجهة الأزمة وحدهم بلا دعم أو تعويض. كما أكّد عاملون متضررون أنهم لم يحصلوا على أي تعويضات أو مكافآت نهاية خدمة عن سنوات عملهم، ما جعل الوضع المعيشي لعائلاتهم مهددًا بشكل مباشر. ويصف مراقبون ما حدث بأنه انكشاف لضعف الضمانات واستغلال الصحفي اليمني حتى اللحظة الأخيرة في مؤسسات إعلام المنفى .

انتقادات ومطالبات في الأوساط الإعلامية والحقوقية

أثار تخلي قناة بلقيس عن موظفيها انتقادات لاذعة من صحفيين وناشطين، حمّل معظمها توكل كرمان شخصيًا مسؤولية ما لحق بالعاملين. في مقال شديد اللهجة للصحفي عادل الأحمدي نُشر في منصة تهامة 24 وغيرها، شنّ الأحمدي هجومًا حادًا على كرمان متهمًا إياها بالتنصل من موظفي بلقيس والتخطيط لنقل القناة إلى الخارج بعد أن تخلّصت من “حمولة” الموظفين  . وكشف الأحمدي أن كرمان “أغضبت الأتراك ورتبت أمورها في أمستردام، ثم قلبت لموظفي القناة ظهر المجن” – في إشارة إلى أنها دبرت انتقالها إلى أوروبا وتركت موظفيها يواجهون مصيرهم . كما أشار في مقاله إلى أن كرمان باتت تركّز على مصالحها الخاصة أكثر من المبادئ المعلنة، متوقعًا أنها ستسعى إلى إعادة بث القناة من أي مكان في العالم (مرجحًا هولندا) بعد أن تخلت عن عبء الموظفين، إذ أنها “لا تستطيع العيش دون منبر إعلامي تطل منه”  . هذه الانتقادات سلطت الضوء على تناقض الناشطة التي عُرفت بدفاعها عن الحقوق، لكنها أخفقت في ضمان حقوق فريقها الذي ساندها لسنوات.

موقف القناة: صمت وإشادات دون حلول

على الجانب الآخر، لم تصدر توكل كرمان نفسها أي بيان تفصيلي بشأن مصير الموظفين حتى لحظة إعداد هذا التقرير. اكتفت إدارة قناة بلقيس في بيانها الرسمي بالتعبير عن الاعتزاز بكادرها الشاب والمتنوع الذي اعتبرته “صورة مصغرة لليمن بكل أطيافه” ، ووجّهت تحية خاصة لمراسليها وموظفيها لما بذلوه من جهود وتضحيات خلال السنوات الماضية . كما اختتمت البيان بتقديم الشكر للعاملين والشركاء والمؤسسات الإعلامية والحقوقية التي دعمت مسيرة القناة . غير أن مراقبين أشاروا إلى أن بيان الشكر والثناء هذا لم يُرفَق بأي التزامات عملية تجاه الموظفين المفصولين، كالوعد بصرف مستحقات أو المساعدة في إيجاد فرص بديلة. غياب الضمانات الواضحة في كلام إدارة القناة ترك تساؤلات مريرة لدى الموظفين حول ما إذا كان امتنان الإدارة لهم سيُترجم فعليًا إلى دعم في محنتهم الحالية.

شارك الخبر: