خاص-النقار
يكتب وزير المالية في حكومة صنعاء الحوثي تغريدة مؤثرة في صفحته على منصة إكس. فمن بين حملة التغريدات الجرموزية الأخيرة المتعلقة برفع الدولار الجمركي تبقى التغريدة المشار إليها لافتة تماما كجبهة عبد الجبار الجرموزي اللامعة، كونه استطاع أن ينقل للمواطن مشهدا روائيا يمكن أن يستعين به كتاب الروايات. ولعل المفارقة أن هذه التغريدة نفسها كُتبت من هاتف مستورد، بينما الوزير يتحدث عن تصنيع محلي مئة بالمئة.
يقول عبد الجبار أحمد (الجرموزي) في تغريدته الخالدة: "في اجتماعنا مع قطاع الملابس سألت أحد المصنعين للملابس: كم لديك عمال؟ فأجاب: 600 عامل. ثم سألت أحد أحد كبار المستوردين نفس السؤال فأجاب: 14 عامل. ذهل الجميع وصمتوا لبرهة ثم عقبت بالقول: أرأيتم لماذا تهتم الدولة بالتصنيع؟ أرأيتم الفارق بين التصنيع والاستيراد؟".
صحيح أن المشهد أقرب إلى مسرحية هزلية، حيث يؤدي الوزير دور البطل الملهم والحاضرون دور المصفقين المذهولين، لكن أليست تغريدة مؤثرة؟! لاسيما وأن الجميع يعرف الاهتمام البالغ لدى الجرموزي بالعامل تماما كاهتمامه بالموظف الحكومي وقد قسمه إلى ثلاث فئات (أ، ب، ج) في موضوع المرتبات: راتب شهري كامل للفئة أ، ونصف راتب شهري للفئة ب، ونصف راتب ربعي (كل ثلاثة أشهر) للفئة ج. بطبيعة الحال هذه الفئة الأخيرة تضم ثلثي موظفي "الدولة". ولو امتدّت عبقريته أكثر، لربما قسّم الهواء الذي يتنفسه المواطن: هواء نقي للفئة أ، نصف نفس للفئة ب، وزفير كل ثلاثة أشهر للفئة ج.
المسألة نفسها مع العمال، فالجرموزي حريص جدا على تشجيع التصنيع المحلي لا لشيء إلا من أجل أولئك العمال الذين سيضمنون فرص عمل. وهذا بالضبط هو ما جعل الحاضرين في الاجتماع يذهلون ويصمتون لبرهة، حسب تغريدة الجرموزي. ولولا أنه عقّب سريعا لرأيناهم قد بكوا حتى اخضلت لحاهم وطلبوا من الجرموزي العفو والغفران على جهلهم. لكنه سلام الله عليه لم يتركهم في ذهولهم كثيرا، رحمة منه بهم، بل عقب بالقول: أرأيتم لماذا تهتم الدولة بالتصنيع؟ أرأيتم الفارق بين التصنيع والاستيراد؟
نحن إذن أمام مشهد ملحمي، حيث الوزير يوزع الغفران كما يوزع نصف المرتبات. لكن ويا للمنغصين الذين يعكرون دائما صفو العظماء وما يكتبونه من تغريدات مؤثرة، إذ سرعان ما سيأتون بقائمة طويلة من مصانع محلية أفلست وأخرى أغلقت أبوابها وسرحت عمالها وأخرى تنتظر الإغلاق وتُطرح للبيع، بسبب الجبايات المرهقة التي تفرضها عليهم حكومة صنعاء وتحديدا وزارة الجرموزي المباركة ممثلة بمصلحتي ضرائبها وجماركها.
هذا بالنسبة للمصانع، أما المزارعون فحدث ولا حرج، إذ يكفي ما حل بمزارعي القات في منطقة الشرقين بمحافظة حجة بفعل الجبايات الجرموزية الباهظة التي أدت إلى إفلاس الكثير منهم، حتى يدرك المنغصون حرص معاليه على مصالح جميع فئات الشعب، بدءا بالموظفين الذين ينتظرون رواتبهم، وانتهاء بآخر صاحب عربية بطاط أو بسطة خضار يتم سلخه سلخا.
لكن هذا كله يهون عندما نجد الجرموزي قد امتشق حسامه وعلا صهيل جواده منتصرا للعمال ومشجعا للتصنيع. فهنا وهنا فقط يظهر الوجه الآخر للبطولة: فالرجل يرفع شعار "التصنيع"، بينما يطعن المصانع والمزارعين بسيف الجبايات.
وكدليل على أن الجرموزي لم يعد مجرد وزير مالية، بل وصانع سياسات واستراتيجيات، يكفي إلقاء نظرة على صفحته في منصة إكس والتي تحولت إلى إعلانات لمنتجات محلية متعددة، مثل اللمبات. فصفحة معاليه لم تعد حساباً رسمياً ولا شخصياً، بل تحولت إلى "مول إلكتروني" يعرض فيه منتجات محلية: من اللمبات إلى التناوير، مع عروض مغرية من مثل: "اشترِ واحدة واحصل على نصف راتب مجاني".